مجموعة مؤلفين

121

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

ونقول شيخه لأن ابن عربى يذكره دائما بهذا الوصف . فهل كان شيخه فعلا ، بمعنى أنه التقى به ، وأخذ عنه ؟ إن المترجمين لابن عربى يذكرون أنه دخل بجاية سنة 597 ه ، فإن كان ذلك لأول مرّة فلا يمكن أن يكون قد التقى بأبى مدين ، لأن أبا مدين توفى سنة أربع وتسعين وخمسمائة ، أي قبل قدوم ابن عربى بثلاث سنين . إنما الأرجح بل الصحيح أنه زار بجاية قبل ذلك في سنة 590 ه مارا بها في طريقه إلى تونس ، إذ من الثابت أن ابن عربى زار تونس سنة 590 ه ، فهل يفوّت هذه الفرصة ولا يعرّج على بجاية حيث شيخه العظيم أبو مدين ؟ . وهنا نصل إلى النقطة الرئيسية في هذا البحث ، وهي الصلة بين أبى مدين وابن عربى ، فهي موضوع هذا المقال . وسنعتمد هنا على ما ذكره ابن عربى عن شيخه أبى مدين في « الفتوحات » ، وفي « محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار » ، وفي « مواقع النجوم » خصوصا . وأول ما يلفت النظر في مرويّات ابن عربى عن أحوال أبى مدين حكاية عجيبة ذكرها ابن عربى في « الفتوحات » ( 1 / 288 ) فقال : « كان للشيخ أبى مدين ولد صغير من سوداء . وكان أبو مدين صاحب نظر يدرك العلوم نظرا . . . فكان هذا الصبى ، وهو ابن سبع سنين ، ينظر ويقول : أرى في البحر في موضع صفته كذا وكذا : سفنا ، وقد جرى فيها كذا وكذا . فإذا كان بعد أيام وتجىء تلك السفن إلى بجاية ، مدينة هذا الصبىّ التي كان فيها ، يوجد الأمر على ما قاله الصبىّ فيها . فيقال للصبىّ : بم ترى ؟ فيقول بعيني . ثم يقول : لا ، إنما أراه بقلبي . ثم يقول : لا ! إنما أراه بوالدى إذا كان حاضرا ونظرت إليه رأيت هذا الذي أخبرتكم به ؛ وإذا غاب عنى لا أرى شيئا من ذلك » . وهذه الظاهرة ، إن صحّت ، فهي من ظواهر الإيحاء المغناطيسى كما لاحظ آسين بلاثيوس « 1 » ، كان فيها ابنه بمثابة وسيط ، بينما كان أبوه

--> ( 1 ) Asin Y Palacios : El Islam Cristianizado , p . 60 , Madrid , 1931 .